Le 9 Mai 2016
Me. Antoine Klimos - Président Ligue maronite
Me. Antonio El Hachem - Bâtonnier de Beyrouth
Dr. Carlos Kairallah - Président Ordre dentistes de Beyrouth

رعى رئيس أساقفة بيروت وليّ الحكمة المطران بولس مطر الإحتفال الذي دعا إليه رئيس مدرسة الحكمة الخوري جان-بول أبوغزاله ورئيس وأعضاء الهيئة الإداريّة لجامعة قدامى المدرسة، لتكريم ثلاثة من كبار قدامى الحكمة، فازوا مؤخرًا في انتخابات نقابيّة وأهليّة وهم: النقيب الأسبق للمحامين الأستاذ أنطوان قليموس- رئيس الرابطة المارونيّة والنقيب الأستاذ أنطونيو الهاشم- نقيب المحامين في بيروت والنقيب البروفسور كارلوس خيرالله- نقيب أطباء الأسنان في بيروت، في مسرح مدرسة الحكمة في مبنى القدامى- قاعة جبران خليل جبران، بحضور حشد من الشخصيات الدينيّة والسياسيّة والدبلوماسيّة والقضائيّة والنقابيّة والقانونيّة والطبيّة والآكاديميّة والإجتماعيّة، تٌقدّمهم إلى راعي الإحتفال، وزيرا الإعلام والشؤون الإجتماعيّة النقيبان رمزي جريج ورشيد درباس ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد  والوزيران السابقان إدمون رزق ورئيس المجلس العام الماروني وديع الخازن.

          بعد النشيد الوطني ونشيد الحكمة ألقى رئيس مؤسّسة المونسنيور إغناطيوس مارون نائب رئيس جامعة قدامى الحكمة المحامي رشيد جلخ، كلمة ترحيب وتقديم، جاء فيها:

بأسم رئيس مدرسة الحكمة في بيروت الخوري جان- بول أبو غزالة ولجنة القدامى أرحّب بكم كراماً تلبّون مشكورين الدعوة الى هذا اللقاء التكريمي لثلاثة من ابرز خريجيها ، وقد شمله برعايته المعهودة والمشكورة وليّ الحكمة صاحب السيادة المطران بولس مطر السامي الاحترام ،

          النقيب الاسبق للمحامين الاستاذ انطوان قليموس رئيس الرابطة المارونية، النقيب انطونيو الهاشم نقيب محامي بيروت، البروفسور كارلوس خيرالله نقيب اطباء الاسنان في بيروت .

 

          ثلاثتهم ولجوا ، ولفترات متلاحقة متفاوتة رحابها، فملأت تعاليمها جعبتهم محبة وعلماً ووطنية صادقة ، وتخرجوا منها يرددون مع خريجها الشيخ احمد تقي الدين في قصيدة اليوبيل الخمسيني للحكمة :

          وخرجت للدنيا فتىَ متساهلاً

                                      وملأت من نبل المحبة جعبتي

 

          لازمهم حضورها على الدوام ، تجاورهم ويجاورونها ، تحييهم فيردون التحية بالافضل ، فكأنها تدعوهم الى البقاء معها ، وانىّ لهم ، ولسواهم من الخريجين ، الإبتعاد عنها ، هي رسولة النذور الدائمة في مواكبتها الأمينة لمسارهم، ترفدهم بالعزة والاباء وتطلقهم وجوهاً واسماء تروي حكايات الاصالة والوفاء .

          ان نلتقي الليلة فتأكيد لثلاث :

+       تمسك بروحية " الحكمة" ، وقد ضمت وتضم طلاباً من مختلف العائلات الروحية، وجدوا فيها خير تربية وطنية على التعددية والترابط والتكامل والاغناء المتبادل واحترام الآخر المختلف .

+       حرص على التفاف الخريجين حول جامعتهم ، المتلازمة في مسارها مع المدرسة وفاء لارثها الوطني والعلمي ، في سعيهم الى حفظ الاصول والتراث صوناً لأنسان ومجتمع يجبه الصعاب ليبقى الوطن ويسلم المواطن .

+       تحية متواضعة من القلب ، لمن نحتفي بهم الليلة وقد بلغوا بجدارة المواقع المتقدمة بثقة مستحقة وهمة متقدة وطموح واعد ، يعودون الليلة الى "حكمتهم" متطلعين اليها على الدوام هامة وطنية تستظل مخافة الله لتبقى ، كما لبنان سرمدية الوجود ، امينة الوعود ، حاضنة العهود ومرددين ونردد نحن معهم مع "حسيبها" الغائب الحاضر .

          غراسك المجد بالتاريخ جذلانا

                                                يا حكمـة الارز يا عمـود لبنـان

الخوري جان-بول أبو غزاله

ثمّ ألقى الخوري جان- بول أبو غزاله كلمة جاء فيها:

إنها الحكمة... هي إياها مذ كانت ومذ وُلدت، وفيّة لأبنائها كل أبنائها وهكذا ستبقى.

إنها حكمة المطران،إنها "أم البنين"، الأم التي تفرح لفرح أولادها أطفالًا حتى إذا كبروا وإن شاخوا وزرعت السنوات يققًا في مفارقهم ظلّوا في قلبها وعقلها وفكرها.

إنها الحكمة... هي إياها مذ كانت ومذ وُلدت مدرسة الوفاء والمحبّة والريادة.

 الذين نُكرّمهم ، اليوم لم يمرّوا في الحكمة مرور غمامة لا تفيء ولا تُنزل الأمطار ، وإنما كاد سنا برقهم يخطف الأبصار. لقد عاشوا فيها، كما  عاشت فيهم. التزموا مبادءها وقيمها وتعاليمها... عملوا بوحيها وهديها في دروب الحياة... فكانت الحكمة زادهم وقوتَهم وفخرهم في كلّ مكان وكلّ زمان.

نعم إنها الحكمة... صانعة الأكابر،هذا ما نعلّمه لتلامذتنا وطلابنا مردّدين مع سيدنا وراعينا وليّ الحكمة المطران بولس،"ان الحكمة تخرّج قادة في المجتمع والرأي والحياة".

الذين نكرّمهم اليوم، كبارٌ أحبّوا الحكمة فحملوها في قلبهم وفي حلّهم وترحالهم، لدرجة التمازج والتواؤم والتماهي.. لبّوا كلّما أزّ النداء وعزّ اللقاء.

أنطوان قليموس، النقيب الرئيس، كلمته يوم انتخابه نقيبًا للمحامين وفي عشائه التكريمي بحضور صاحب السيادة خير معبرٍ عن مكنونات قلبه حيث قال: "منذ الدقيقة الأولى لانتخابي على رأس نقابة المحامين، تخلّيت عن عضويتي الحزبيّة في الكتلة الوطنيّة ولكني لم ولن أتخلّى عن أنتمائي الحكموي ما حييت". وها هو اليوم رئيس للرابطة المارونيّة... والمستقبل ما زال واعدًا أمامه لتحقيق كلّ طموحاته.ألا وفقّك الله.

أنطونيو الهاشم، الشيخ النقيب... عرفته الحكمة ابنًا من أبنائها ومربّيًا من مربّيها. لكن مهنة المحاماة جذبته إليها ، فبرع فيها محاميًا متألقًا ونقابيًا محلقًا، مدافعًا عن الحق والعدالة، فاستحق لقب النقيب... وهذا اللقب علّقه على صدر الحكمة مجلّون من أبنائها، كما في المحاماة، كذلك في الطب والهندسة والصحافة.

كارلوس خيرالله، أيها الطبيب النقيب حبُّك للحكمة مثال يُقتدى به ، ففيها تعلّمت ومنها تخرّجت مع شقيقك كينيدي وعلى خُطاك سار أولادك الثلاثة، فتعلّموا  في الحكمة وتخرّجوا منها إلى عالمي الهندّسة والطبّ.

بصوت عالٍ وعلى الملأ أقول لك، شكرًا يا ابن الحكمة، فأنت رمزٌ لعلاقة الحكمة بأبنائها وقبسٌ يُستضاء بنوره في هذا المجال.

أحبائي، أهل الحكمة ، لقد قدّمت مدرستنا لبنان الكثير وستستمرّ في عطاءاتها ورسالتها، لأن لبنان اليوم ولبنان الغد بحاجة إلى مخلصين ومعطائين للمحافظة عليه في وجه التحديات التي تحيط به، وما أكثرها.

أحبائي أهل الحكمة، بركة الله ترافقكم في كلّ حياتكم ودمتم لمدرستكم رموزًا للمحبّة والوفاء.

كلمة المحامي فريد الخوري:

ثم ألقى رئيس جامعة قدامى الحكمة المحامي فريد الخوري كلمة، جاء فيها:

عندما يُحمَلُ حكمويٌّ الى سُدةِ المسؤولية، يفرَحُ الحكمويون مرتين:

1 –  الاولى، هي فرحةُ الصديقِ بالصديق، / والاخِ بالاخِ،/ ورفيقِ المدرسة برفيقِه،  فنحنُ امضينا في الحكمةِ اياماً لا تُنسى،/  فكنا قلباً واحداً وفكراً واحداً وصفاً واحداً وخطَ دفاعٍ واحد في وجهِ أيٍ كان، ودرعًا لبنانيًّا يقي الوطن عاتياتِ الرياحِ وأهوالَ الخطر.

2 –  أمّا الفرحةُ الثانيةُ فهْيَ فرحةُ المواطنِ بوطَنِهِ/ فهنيئًا للبنانَ بحكمويين أصيلينَ تربَوا على عشقِ الوطنِ والإيمانِ به رسالةً/ على العملِ على إعلاءِ شأنِهِ حتّى تُلامِسَ عزَّتُهُ السّحاب/ وعلى صونِ حدودِهِ وإنْ تخطّى ذلكَ حدودَ الشّهادة / وعلى التخطيطِ لمستقبلٍ زاهرٍ يَليقُ بشبابِنا ويحملهُم على إلإيمانِ بوطنٍ يريدُهم في مواقعِ الريادة.

حقًّا إننّا نفرحُ بكم أيُّها الحكموييونَ الرّائدون/ ونُشارِكُ وطنَنا فرحَتَهُ برجالِ القيمِ والمبادئ!

فربما باتَ فجرُ خلاصِ هذا البلدِ قريبًا! وباتَ شفاؤهُ من مرضِ شِحِّ القيمِ الوطنيّةِ وشيكًا!

فالدواءُ معروفٌ:  جرعةُ عنفوانٍ حكموي وكرامة / ووقفةُ ضميرٍ وسيادة / وذَزّةُ  نخوةٍ وإرادة/

وهنا يكمُنُ دورُكم ايُّها المكرمون،

أفلَيست كرامةُ اللبنانيِّ الإنسانِ ومجدُ هذا الوطنِ فضاءَ طموحكِم ومنتهى آمالِكم؟

اجعلوها انتفاضةً حكموية،

أعيدوا إلى المؤسّساتِ حياتَها /  فلطلما أبتِ الحكمةُ أن يترجحَ الوطنُ على هاويةِ الفراغِ  /

إلتزموا بأسسِ الديمقراطية السليمةِ التي نشّأتنا عليها الحريّةُ الحكمويّة/

تمسكوا بالنزاهةِ والشفافيةِ اللتين خطّتا تاريخَ هذا الصرحِ الجليل /

اسقِطوا كلِّ من يتعرّضُ للبنانَ، كما فعلَ الحكمويون في مختلفِ محطاتِهم الوطنية، /

شجعوا شبابَنا على البقاءِ في هذا الوطن، وعلى الانخراطِ في مواقعِه السياسيةِ والوطنيةِ والخدماتيةِ والوظيفيةِ، فكونوا لهم السَندَ/ وعبّدوا لهم سُبُلَ النّجاحِ/ وأريحوهم من كوابيسِ الهجرةِ / وذلَ الاستجداء امامِ أبوابِ السّفاراتِ/ اجعلوهم يطمئنّون إلى مستقبلهم في أرضٍ تحضنُهم/ ولا تنأى بنفسِها عنهم/  فشبابُنا هم وَحدُهم ضمانةُ قيامةِ الوطنِ/ ومبادئ حكمتِنا هي خريطةُ الوصول!

انشروا روحَ الحكمة ورسالتِها الانسانيةِ والوطنيةِ الجامعة،

فلا تقَبلوا أن يكونَ لبنانُ، بلدَ الابجدية والديمقراطيّةِ منذ آلاف السنين،/يعيشُ اليومَ وبعد كل هذا المجد والفخر، فراغاً رئاسياً، وتمديدًا نيابيّا وشللاً حكومياً/

لا تقبلوا بأقلَّ منَ السيادةِ هدفًا / والحريّة دستورًا.

إنّ الألغامَ في وطننِا جمّةٌ!

فرئاسة الجمهوريّة بخطر، والدستورُ بخطر، وامنُنا بخطر، حتى ان صحتنا بخطر!

نعم بلدُنا بحاجةٍ إلى النضالِ الحكمويّ، إلى الإصرارِ الحكمويّ ، إلى الرسالةِ الحكمويّة...

فهذا الصرحُ لم يتوانَ أبناؤهُ يومًا عن تلبيةِ نداءِ الواجبِ يومَ دُقَّ النفيرُ، فإذا كان الخطرُ يُحدِقُ بهذا اللّبنانُ من كلّ حدْبٍ وصوب، فكفاهُ عزاءً أن من يستطيع المشاركة في صُنعِ القرار هم أبناءُ حكمةٍ تربَّوا على خدمةِ هذا الوطنِ والوفاءِ له، والالتزامِ بأخلاقيّاتِ المواطنِ الحقيقيّ الّذي يُسخِّرُ إمكاناتِه لرفعِ هامةِ بلدِه!

التوفيقُ والنجاحُ  للحكمويين المكرّمين  والعزّةُ والوفاءُ لبلدِنا الحبيب!

النقيب انطوان قليموس

 ثمّ ألقى النقيب أنطوان قليموس كلمة جاء فيها:

تُعيدني اللحظة اليوم إلى مجالس لنا في الحكمة كُنتَ أنت فيها الساقي والنشوان وكنّا جُلاّسك السكارى مرّتين مرّة بك ومرّة معك.

وتُظلّلنا بقامة مديدة، وتُدخلنا في زمانك وتُذوّقنا طُعمَ الأساتذة الكبار الذين لابستهم دهراً ملياً تقرأَهم وتُقرئهم، وتأخذ عنهم، ثمّ تُقرّب الموارد وتُدنّي المصادر، وتُصوّب الخطى، وقد أُعِنتَ بما لا ندرِ معه، أنثرٌ من الشعرِ ما نسمع أم شعر من النثر.

وتقطع الأيامُ بيننا ونهتجر وتتقسّمُنا هموم، وتتصرف بنا دنيا غالبناها على الرزق برؤوس مرفوعة، وما اعتمدنا إليها على إستجداء أو ملق.

 الى اليوم الذي تعب فيه قلبُك الكبير، فتترك الفانية الحاقدة نحو مملكة المجد الذي لا يزول.

لك منّي الف تحيّة يا معلمّي حسيب عبد الساتر في هذا اليوم الذي جئته مكرِما لا مُكرّماً في رحاب "حكمتي" المتجذّرة والفتيّة بعد أن تركتَها منذ خمسين ونيّف دونما بعدٍ منّي أو هجرة.

عذراً ايّها الأب الرئيس، إن بدّلتُ في هويّة المكرَّم الليلة. فاسمحوا لي اليوم أن أُهدي ما أنا عليه إلى من أعطوني الزّاد الذي قطعت به الوعر والمعارج من مسالك الحياة، عنيت بهم آباء الحكمة وأساتذتها، وما تحيّتي في مطلع كلمتي إلاّ لهم من خلال المعلم الأعزّ الذي وفرّ لي ظروف النهل من علمه ومعرفته والأخلاق التي أغدقها عليه سيد الأكوان.

لقد أخذتنا الحكمة بيديها الإثنتين ورمقتنا بعينيها وعلّمتنا أن نقوى بالجلاد كما نقوى بالجدل ونَطرب لبراعة الذهن كما نَطرب لمقارعةِ الخصم ومصارعته، والحكمة التي أخلصت جوهرها السنون واحكمت رأيها وأعلتْه، وتأنقّت وتألّقت في صناعته، لم تُقعَد عن قيادة أبنائها إلى قتال حام بين علم أعزل وجَهل مستبد، تُضيف اليوم إلى كلمات خلت كلمات جديدة مُضيئة، تكتبها لتهدي وتُسدي وتَسدد، وتنطلق وراء المجد للمجد. وتمكّن لمعاني الخير والحق والجمال في وطن هو اسبق واسرع الأوطان قُدماً الى المدنيّة، وأعرقُها في المعرفة.

لقد علّمتنا الحكمة كيف نذوق لذّة ما نعرف، ومتعة ما نكتشف وحسبها منّا اننا أخذنا عنها كيف نكون ونبقى حجة على البشاعة ، وجبهة عالية على الزيف، ومدداً فكرياً لخزائنها الفكرية الكثيرة، وأن نؤدي عنها إلى العالم ضريبة أمجادها.

نلتقي اليوم بمبادرة كريمة من الأب الرئيس جان بول أبو غزالة والصديق الزميل فريد خوري رئيس جامعة قدامى الحكمة لنكرّم سويّة قيم الحكمة الجامعة التي تربيّنا عليها، ألا وهي التضامن والمحبّة والرجولة والعنفوان والوطنية التي زُودناها قبل انتقالنا إلى مجهول الحياة ورحاب الدنيا.

على أثر إنتخابي نقيباً للمحامين سنة 1997، تقدّمت بطلب تعليق انتسابي في حزب الكتلة الوطنية،

وقد هنّأني يومها العميد الراحل ريمون  إده على موقفي، فله منّي كل محبة ووفاء عشيّة ذكرى غيابه.

أما انتسابي للحكمة لم يُعلّق لحظة في حياتي . إنه سرمدي أزلي حتّى يسترد الخالق وديعته.

حكمتي هذه، علّمتني قول كلمة الحق مهما غلت، وأنهتني عن التملّق المفضي إلى إنهيار القيم.

إن من مظاهر بؤسنا العميم  وشقائنا اليوم أن ينبري اناس لوعظ لا يتّعظون به، ويتحدّث مسؤولون عن عفّة لا يملكونها، ويحاضر أدعياء علم يجهلونه، ويقتني بعضهم سلطة لا يستحقونها ويبتلي قوم بالمعاصي ولا يستترون  .

لقد إحتَجب الرجال المجرّبون ذوو الدراية والحكمة  والمعرفة والصدقية أو غابوا وموت الأعيان من تعس الزمان. وما من نكد اشدّ إيلاماً من هذا القحط الذي أورث ما اورث حتّى أعطى الولاية في الناس لمن هم أحوج إلى الوصاية.

هكذا ابتُليت الناس بما لا طاقة لها على ردّه وصار اتقاء العسف مَدعاة للتملّق، واحترام أهل الحلّ والربط سخرية صامتة من شرورهم، لكن ليس إلى حدّ أن تُسمّى الجَهالة عقلاً والتفاهات علماً والهذيان حكمة، فالثقافة لا يمكن أن تُبتذل لأن لها معاييرأقوى من كل سلطة.

صاحب الرعاية، يا من تحمل صليب الوطن وهموم أبنائه وقيم الحكمة، يا من جرّحه الصّمت، إننا نلتف حولك في كل ما أنت إليه ساعٍ أو جاهد.

ليس هذا التكريم سوى دعوة إلى التعلق بالقيم الحكماوية التي صدّرت الى الوطن الرجال الرجال بدلاً من الجُهّل والفاسدين.

إننا ومن هذا المنبر الأحب نطلق صرخة لإنقاذ ما تبقّى  رحمة بأبنائنا كي نتمكن من ترجمة دعوتنا لهم للتجذّر في هذه الأرض المعطاء التي أنبتت بناة النهضة في هذا الشرق.

وبالنهاية اسمحوا لي ان أحيّي كل من سعى ونظّم هذا اللقاء مع الوجوه النيّرة المخلصة فلهم منّي كل محبّة ووفاء ولحكمتي الوعد بأن أبقى على هديها،  فهي النور الذي أنار دربي في ظلمة الوطن.

كلمة النقيب أنطونيو الهاشم

ثمّ ألقى النقيب أنطونيو الهاشم كلمة جاء فيها:

أود بدايةً ان أتوجه بالتحية إلى القائمين على هذا المنتدى لما أحرزوهُ من مكانةٍ رفيعةٍ في عالم الثقافةِ والتربيةِ والإبداع.

وأتوجَّه إليهم بالشكر أيضاً، على إقامة هذا التكريم، هو تكريمٌ أقلُّه لي وأكثرُهُ لهم، كما ولإتاحة الفرصة لي ومن على هذا المنبر لأطل على الحاضرين الذين تكرموا بالحضور والمشاركة.

حين يُكتَبُ تاريخُ  لبنانَ الحديث، لا بدَّ من أن يكونَ لمدرسة الحكمة في هذا التاريخ فصلٌ خاصٌ وكبير.

في الحقيقة، لم أَجد مقدمةً للكلام في هذا المقام، أجملُ مِمَّا قرأت:

« لا حَسَدَ إلاَّ في إثنتين: رجلٌ أتاه الله مالاً فسلّطَهُ على هَلكَتِه في الحقِّ، ورجلٌ أتاهُ اللهُ حكمةً، فهو يقضي بها ويُعلِّمها

فكلمة الحكمة يسمَعُها المؤمنُ، خيرٌ من عبادةِ سنة.

الحكمةُ روضةُ العقلاءِ ونزهةُ النُبلاء.

ومن الحكمةِ ألاَّ تُنازِعَ مَنْ فوقُك، ولا تستذِلُّ مَنْ دونَكَ، ولا تتعاطى ما ليس في قُدرتكَ، ولا يُخالفُ لسانكَ قلبَكَ، ولا قولُك فعلَكَ، ولا تتكلم فيما لا تعلم، ولا تترك الأمر عند الإقبالِ عليه وتطلُبَهُ عند الإدبارِ عنهُ. فكلما قَوِيَتْ الحكمةُ ضَعُفَت الشهوة.

وقديماً قيلَ للقمان الحكيم: « ما يجمعُ من حِكمتِكَ؟ قال" لا أـسأـلُ عمّا كفيتَهُ، ولا أتكلّفُ ما لا يعنيني».

وجاء في لسان العرب للإمام العلامة إبن منظور في معنى الحكمة:

الحكيمُ ذو الحِكمةْ، والحِكمةُ عبارةً عن معرفةِ أفضلِ الأشياءْ بأفضلِ العلومْ.

والحكمةُ: العدلُ. ورجلٌ حكيمٌ: عَدلٌ حَكيم. وأحكَمَ الأمرَ: أَتقَنَهُ..

عندما إنتُخِبتُ نقيباً للمحامين، تلقيّتُ تهنئةَ رئيسِ مدرسةِ الحكمة، فأنا إبنُ الحكمة التي ما بَرِحت إلى جانب أبنائها وخريجيها على الدوام، تحثُّهم على المَضِيِّ قدماً للوقوف مع زملائهم بعيداً عن الإصطفافات السياسية، وهي أثبتت وجودها البارز في الإنتخابات النقابية في المهن الحرة، وتحديداً في انتخابات نقابة المحامين.

ومرّة جديدةً، قُدّر للحكمةِ أن أكونَ- وأنا من أبنائها- نقيباً للمحامين، وقد سبقني إلى سدَّة النقابة من أعتزُّ بزمالتهم، وهم من الكبار الكبار، عَنيتُ بهم:

الراجي رحمةَ ربِّه معالي النقيب روجيه شيخاني، والنقباء: عصــــام خوري، عصـــــام كــرم، ريمون عيد، أنطوان قليموس ريمون شديد، وسليم الأسطا، مدّهم الله بالعمر المديد.

فعندما تَنبُضُ الكلمةُ بمثل هؤلاء- وأنا أشعرُ بضآلتي حِيالَهُمْ – أتساءَلْ، ما حيلةُ قلمي في ضبطها؟ فَحظُّ هذا القلم مِن إنصافهمْ، كحظِّ البخيلِ من العطاء.

فهل من باب المصادفة أن يعتلي كل هؤلاء سُدَّةَ النقابة ومن بينهم من يُكرّمُ اليوم رئيساً للرابطة المارونية؟ أظنُّ أنَ بعض الصُدفِ قد تكونُ من علامات الأزمنة، فكيفَ إذا كانت العلامةُ من علامات " الحكمة " والمكرّمون من هذا البيت بالذات ... بيتُ الحكمة.

وبعــــد،

« جميلٌ أن تكونَ لبنانيا، لكنّ الأجمل ان تُصبحَ لبنانياً »، قولٌ لفيرجيل جورجيو- وهو كاتبٌ رومانيٌ إشتهر بروايته الشهيرة (الساعة الخامسة والعشرون) والتي صَدَرَت عام 1949، فهو يُعتَبَر من أهم الكتاب والروائيين في القارة الأوروبية، وقد أصبح كاهناً، ثم تدرَّج بالرتبات الكهنوتية إلى أن أصبحَ المونسنيور جورجيو- وقد لخصّ فيه إعجابه بهذا الوطن وإنسانِه، بعدما عاينَ مأساتِهِ عبر التاريخ الطويل وبخاصة إبَّانَ الحربِ الأخيرة.

قولٌ تنطبقُ صيغَتَهُ وجوهرِه على الخاص، فيصُحُّ أن نُعلِنَ أيضاً:

« جميل أن تكون مارونياً، والأجمل أن تُصبح مارونياً أو تختار أن تكونَهُ » وليسَ في هذا الكلام تبجُّحٌ أو تعصُّبٌ، بل مُجرَّدَ شهادةُ حقٍ في جماعةٍ كانت وستكون، كما اليومَ وغداً، على ما قاله الشاعر الفرنسي ألفونس دي لامارتين الذي خاطبَ شعبَهُ في مقدمة ديوانه " سقطَةُ ملاكٍ " وهو من أمضى سنين من عُمرِهِ في لبنانَ، قائلاً:

« إن هناك شعباً بأكملِه يسيرُ على هُدى الفرائضِ المقدّسة.. من هو هذا الشعب المقدّس؟

إنَّه الموارنَةُ: شعبُ عُبّادٍ وسُلالةَ نسَّاكٍ.

وإذا أردتم ان تعرفوا كيف تكون المسيحية الحقُّ، فإذهبوا إلى لبنانَ وانظروا كيفَ يعيشُ الموارنة »

وللسياسية اللبنانية قانون أساسي هو هذا : ما تخسره المؤسسات السياسية في لبنان، تربحه الطائفية.

إلاَّ أنَّ عَيشَ الطوائف معاً في لبنان، يبقى التجربةَ الوحيدةَ الحضارية من هذا النوع في العالمْ.

ويطيب لي دائماً في مثل هذا الموقف أن أُردِّدَ بيتينِ لشاعرِ العربيةِ العظيم أبي تمّام قالَهُما منذُ ما ينيفُ عن ألفِ سنة:

« إن يختلفَ ماءُ الحياةِ فماؤنا عذبٌ تحدَّرَ من غَمام واحدِ

              أو يفتَرِقَ نسَبٌ يؤلّف بيننا أدبٌ أقمناهُ مقامَ الوالدِ ».

فلنُعِد هذا اللُبنان البلدَ العزيز. ولنُعِدْ كنيستنا، لا صخرةً لن تقوى عليها أبوابُ الجحيم فحسبْ، بل ووردةً بين أشواك العولمةِ والجهلِ والتعصبِ والإرهابِ، ماؤُها من الأرضِ وللأرض، وعِطرُها للناسِ وإلى السماءْ.

فأرضُنا أرضُ قداسةٍ أنبتت أبراراً وقديسين. فمهما تباينت الآراء وتعدّدت، يبقى تعدُّدَها غِنىً وقيمةً مضافةً ...فقديماً سُئلَ سقراط: لماذا إخترتَ أحكمَ حُكماءَ اليونان؟ فقال: ربما لأننّي الرجلُ الوحيدُ الذي يعترفُ أنَّه لا يَعرِف».

أخيراً أختُمُ شِعراً عن لبنانَ. فعندما نتكلم عن لبنانَ نتكلم عن الحكمة، وكلاهُما توأَمُ للآخر، مُردِّداً مع الشاعر:

« ولبنانُ حرفٌ وليس كلاماً

ومن يُنكِرِ البحرَ يَنْعَ المناهِلْ

يُقسَّمُ كلُّ الكلامِ حروفاً

إذا شِئتَ تقسيمَ حرفٍ ... فحاوِلْ

أُجدِّدُ شُكري للقيميينَ على هذا الصرح وأخصّ بالذكر وليَّ الحكمة سيادة المطران بولس مطر السامي الإحترام راعي هذا الإحتفال، وصاحب الدعوة رئيس مدرسة الحكمة الخوري جان – بول أبو غزالة، وكل من حضرَ وشاركنا هذا المنتدى التكريمي.

كلمة النقيب البروفسور كارلوس خيرالله:

ثمّ ألقى النقيب البروفسور كارلوس خيرالله كلمة جاء فيها:

        اليوم اعود الى مدرستي بعد حوالي اربعين عاما" على تخرجي منها, علما" أن الحكمة لم تفارقني يوما".

أعود بدعوة كريمة من ولي الحكمة سيادة المطران  بولس  مطر،من رئيس المدرسة الاب جان- بول  أبو غزالة  و من رئيس جامعة القدامى الرئيس فريد خوري.

أقف امامكم اليوم و قد أعدتم الى ذاكرتي السنين التي أمضيتها على مقاعد هذه المؤسسة التعليمية العريقة.

عريقة لأن دورها لا يقتصر على إعطاء المواد التعليمية الأساسية و حسب , بل على تنمية روح المسؤولية عند الفرد لكي يصبح عضوا" فعالا" في مجتمعه.

فاذا كان صحيحا" إن شخصية الإنسان تولد معه فصحيح أيضا" أن هذه الشخصية تنمو و تتفاعل في بيئته العائلية أولا و من ثم تصقل على مقاعد الدراسة.

فيما أنا بحضرتكم أستذكر ما تعلمته في صغري و الذي شكل    ما أنا عليه اليوم.

فقد تعلّمت هنا , في هذا الصرح

1-      أن أعبّر عن رأيي بكل حرية و جرأة بعيدا" عن التملّق و المسايرة لمن هو اقوى  او اعلى شأنا" .

2-      أن أقول كلمة حق حتى و لو تخاذل الجميع من حولي و الاهم أن ألتزم بهذه الكلمة لأن مصداقية الانسان هي الأساس .

3-      تعلّمت الوطنية الحقّة , فلمّا عصفت رياح الحرب و التآمر على بلادي لبّينا النداء للدفاع عن الوطن , عن كلّ الوطن , عن الشرعية و عن الجيش اللبناني.

4-      تعلّمت أن أحترم الإنسان لإنسانيته و ليس لمركزه الاجتماعي و إن القيم و المثاليات هي اساس التعامل بين البشر على إختلاف انتمائاتهم و دياناتهم وكم نحن  نفتقر اليوم في مجتماعتنا للخلق و الاخلاق و هي المعايير الاساسية لبقاء الاوطان.

5-      تعلّمت أن النزاعات و الخلافات لا تحلّ الّا بالحوار المنفتح و الصريح بين أشخاص يملكون حرية القرار لأن الحكمة كانت ولا زالت مثالا" أعلى للإنفتاح و التعايش الوطني.

           أخيرا" تعلّمت أن العمل الجديّ هو الذي يوصل الانسان الى أعلى , فليس عيبا" أن يقع الفرد و إنّما المهم أن يتعلّم من كبوته لكي ينهض من جديد.

و يمكنني القول هنا إن ما أنا عليه اليوم هو بفضل ربّي و أهلي  و مدرستي , وإن قناعتي التامّة بهذين المنحين التعليمي و الاخلاقي جعلني أئتمن هذه المؤسسة لتربية أولادي الثلاثة.

وإن إخترت مهنة الطب فذلك  لقناعتي بالطابع السامي و الانساني لهذه المهنة و طوال مسيرتي المهنية لم أغفل أي من الدروس التي تعلّمتها هنا و التي من أجلها إخترت لكي أمثّل هذه الشريحة المهمة من مجتمعنا معاهدكم أن أكمّل المسيرة بحسب المبادىء التي أؤمن بها بالرغم من كل الضغوطات و التحديات.

كلمة المطران بولس مطر:

كلمة الختام كانت لراعي الإحتفال المطران بولس مطر، جاء فيها:

أيها الأحباء، أكلّمكم بعجالة عن خريج من خريجي الحكمة الإلهيّة،900 سنة قبل المسيح واسمه إيليا النبي. هذا الرجل الذي ما استهاب ملكًا وما خاف موقفًا وقرّع كهنة البعل والشعب الذي ترك ربّه، محذّرًا وداعيًا إياه إلى عبادة الإله الحقّ. فاضطُهد وطُرد وهُدّد بالموت، على يد إمرأة الملك آنذاك، فهرب إلى الصحراء. وفي ساعة ضعف ، وكلّنا بشر، سأل ربّه أن يأخذه من هذه الدنيا. قال له: تعبت. أجابه ربّه: كلا ستعود إلى الساحة، لأني قد استبقيت لي 7 آلاف رجل في إسرائيل، لم يسجدوا على ركبهم ولم يسجدوا للبعل. أليس في بلادي 7 آلاف رجل ما سجدوا إلا لرّبهم ليقوم معهم لبنان؟

نحن كلّنا فرح وغبطة وفخر بهذا المثّلث الجميل: النقيب الرئيس أنطوان قليموس ونقيب المحامين أنطونيو الهاشم ونقيب أطباء الأسنان كارلوس خيرالله، يمثّلون هذه النظافة وهذا التألق بالعلم والأخلاق، هم منكم ومعكم من أجل لبنان.

 نخرج من هذه القاعة وفينا رجاء متجدّد، أن لبنان سيقوم وأن أهل الإستقامة فيه سينتصرون، وأن التاريخ لا يُصنع على الزَيف ولا على أسس غير ثابتة وأسس واهيّة. لا يُصنع التاريخ على الحقد، ولا على القتل ولا على القوّة الماديّة. يُبنى التاريخ على الحقّ وعلى الكرامة والمساواة وعلى روح الحكمة.

أعتقد أن الحكمة، هي إنطلاقة طيبة للبنان، هكذا كانت وهكذا تبقى.في القرن التاسع عشر، بعد أحداث 1860 مطران رئيس لأبرشيّة بيروت، حلم بلبنان جديد، مبني على العلم والأخلاق، وتعاون مع الشيخ يوسف الأسير من أجل مدّ الجسور بين جميع اللبنانيين وبين الثقافات التي تمثّل الغنى اللبناني. الثقافة المسيحيّة والثقافة الإسلاميّة. وعاش هذه المعيّة وكرّسها في مدرسة الحكمة في بيروت، حتى قال المؤرّخون: إنه قبل غيره، كان من وضع أُسس لبنان الحديث، لبنان العيش المشترك.

طبعًا، نحن نُجلّ ميشال شيحا ونجلّ ابن الحكمة جبران خليل جبران والشيخ بشارة الخوري ورياض الصلح ونجلّ كلّ الذين عملوا في تاريخ لبنان من أجل هذا الوطن،إنما مدرسة الحكمة كانت الأولى في وضع اللبنة الأولى للعيش الواحد المسؤول عن مصير وطن، وها نحن هنا لنكمّل هذا التراث.

بُوركت الحكمة وبورك أبناؤها الميامين الذين نكرّمهم اليوم، لا بل نتكرّم بهم وفيهم مع كلّ الحكمة وأبنائها. آلا كنتم موّفقين والله معكم فيما أنتم مقدمون عليه والرب وليَ التوفيق ويد الله مع الجماعة ولبنان سيبقى. 

واختتم الإحتفال بتقديم المطران مطر والخوري أبو غزاله والمحامي الخوري دروع تقديريّة إلى المحتفى بهم ثم أقيم حفل استقبال.